محمد جواد مغنية

26

في ظلال نهج البلاغة

الكافي عن الإمام أمير المؤمنين ( ع ) أنه قال في تمجيد اللَّه سبحانه : « قريب في بعده ، بعيد في قربه ، فوق كل شيء ، ولا يقال : شيء فوقه ، أمام كل شيء ، ولا يقال له : أمام ، داخل في الأشياء ، لا كشيء داخل في شيء ، وخارج عن الأشياء ، لا كشيء خارج من شيء ، سبحان من هو هكذا ، ولا هكذا غيره » . وقال الملا صدرا في شرح هذا الكلام - ما تلخيصه وتوضيحه : هو قريب من الأشياء ، لأنه خالقها ، وبه حدوثها وبقاؤها ، وهو بعيد عن الأشياء ، لأن الخالق أعظم من المخلوق ، والعلة أكمل من المعلول لاستغنائها عنه ، وافتقاره إليها ، واللَّه فوق كل شيء ، لإحاطته بالأشياء ، ولا يقال : فوقه شيء ، لأنه غير متناهي الوجود ، وهو أمام كل شيء ، لأنه خالقها ، والخالق أسبق في الوجود من المخلوق ، ومع هذا لا يقال له : أمام ، لأنه أزلي لا أول له ، وهو داخل في الأشياء ، لأن وجودها مستمد من وجوده تماما كما يستمد الكل وجوده من وجود أجزائه ، وهو خارج عن الأشياء ، لأنه مستقل عنها من كل وجه ، وهي رشحة من رشحات وجوده . . وبهذا نجد تفسير قوله تعالى : * ( ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ ونَعْلَمُ ما ) * - 16 ق . وقوله : * ( وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) * - 4 الحديد . وقوله : * ( لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ ) * . ( وفاعل لا بمعنى الحركات والآلة ) . وخير تفسير لهذه الجملة قول الإمام نفسه ( ع ) : « فاعل لا باضطراب آلة ، مقدر لا بجولة فكر ، غني لا باستفادة . لا تصحبه الأوقات ، ولا ترفده الأدوات » . وأبلغ من هذا وأجمع قوله تعالى : * ( إِنَّما أَمْرُه إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * - 82 يس . ( بصير إذ لا منظور اليه من خلقه ) . المنظور اليه ما يقع عليه النظر . والمعنى ان اللَّه عالم بخلقه قبل أن يخلقهم ، ومثله قول الإمام ( ع ) : « عالم إذ لا معلوم وربّ إذ لا مربوب ، وقادر إذ لا مقدور » . أي ان واجب الوجود عالم قادر بمحض وجوده ، لأن قدرته وعلمه وذاته شيء واحد ، ولما أراد سبحانه أن يخلق الأشياء وقع العلم على المعلوم السابق في علمه ، ووقعت القدرة على المقدور السابق في قدرته . ( متوحد إذ لا سكن يستأنس به ، ولا يستوحش لفقده ) . قد يدخل الواحد